الشيخ حسن أيوب

22

الحديث في علوم القرآن والحديث

وكذلك انتصر أبو بكر الأنباري لهذا المذهب فقال : أنزل اللّه القرآن إلى سماء الدنيا ثم فرّقه في بضع وعشرين سنة ، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث ، والآية جوابا لمستخبر ، ويقف جبريل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم على موضع السورة ، والآيات ، والحروف ، كله من النبي صلّى اللّه عليه وسلم فمن قدم سورة أو أخرها أفسد نظم القرآن . وأخرج ابن أشته في كتاب المصاحف من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال : سمعت ربيعة يسأل : لم قدّمت البقرة وآل عمران وقد أنزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكة ، وإنما أنزلتا بالمدينة ؟ فقال : قدّمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه به ، إلى أن قال : فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه . اه . القول الثالث : أن ترتيب بعض السور كان بتوقيف من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وترتيب بعضها الآخر كان باجتهاد من الصحابة ، وقد ذهب إلى هذا الرأي فطاحل من العلماء ، ولعله أمثل الآراء ؛ لأنه وردت أحاديث تفيد ترتيب البعض - كما مر بك من الرأي الثاني القائل بالتوقيف - وخلا البعض الآخر مما يفيد التوقيف ، بل وردت آثار تصرح بأن الترتيب في البعض كان عن اجتهاد كالحديث الآنف في القول الأول المروي عن ابن عباس . بيد أن المؤيدين لهذا المذهب اختلفوا في السور التي جاء ترتيبها عن توقيف . والسور التي جاء ترتيبها عن اجتهاد ، فقال القاضي أبو محمد بن عطية : « إن كثيرا من السور قد علم ترتيبها في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم كالسبع الطوال والحواميم والمفصل ، وأما ما سوى ذلك فيمكن أن يكون فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده » . وقال أبو جعفر بن الزبير : الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ، ويبقى فيها قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف كقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « اقرءوا الزهراوين ؛ البقرة وآل عمران » [ رواه مسلم ] . وكحديث سعيد بن خالد : « قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالسبع الطوال في ركعة » . رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام كان يجمع المفصل في ركعة . وروى البخاري عن ابن مسعود أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال في بني إسرائيل والكهف ومريم ، وطه ، والأنبياء : « إنهن من العتاق الأول ، وهن من تلادي » قبل آل عمران ؛ لأن ترتيب السور في القراءة ليس بواجب ، ولعله فعل ذلك لبيان الجواز ، اه . والأمر على كل حال سهل ، حتى لقد رأى الزركشي في البرهان : أن يجعل الخلاف من أساسه لفظيّا .